أبي حيان الأندلسي

524

البحر المحيط في التفسير

سرا ، أي نكاحا بقول من الأقوال ، إلّا بقول معروف ، وهو التعريض . فحذف : من أن ، حرف الجر ، فيبقى منصوبا أو مجرورا على الخلاف الذي تقدم في نظائره . والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله انتصب نصب المصدر ، وهذا انتصب على إسقاط حرف الجر ، وهو : الباء ، التي للسبب . قوله ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من : سرا ، لأدائه إلى قوله : لا تواعدوهنّ إلّا التعريض ، والتعريض ليس مواعدا ، فلا يصح عنده أن ينصب عليها العامل ، وهذا عنده على أن يكون منقطعا نظير : ما رأيت أحدا إلّا حمارا . لكن هذا يصح فيه : ما رأيت إلّا حمارا ، وذلك لا يصح فيه ، لا تواعدوهنّ إلّا التعريض ، لأن التعريض لا يكون مواعدا بل مواعدا به النكاح ، فانتصاب : سرا ، على أنه مفعول ، فكذلك ينبغي أن يكون : أن تقولوا ، مفعولا ، ولا يصح ذلك فيه ، فلا يصح أن يكون استثناء منقطعا . هذا توجيه منع الزمخشري أن يكون استثناء منقطعا . وما ذهب إليه ليس بصحيح لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما ذكر ، وهو أن يمكن تلك العامل السابق عليه ، وذلك أن الاستثناء المنقطع على قسمين . أحدهما : ما ذكره الزمخشري ، وهو : أن يتسلط العامل على ما بعد ؛ إلّا ، كما مثلنا به في قولك : ما رأيت أحدا إلّا حمارا . و : ما في الدار أحد إلّا حمارا . وهذا النوع فيه خلاف عن العرب ، فمذهب الحجازيين نصب هذا النوع من المستثنى ، ومذهب بني تميم اتباعه لما قبله في الإعراب ، ويصلح في هذا النوع أن تحذف الأول وتسلط ما قبله على ما بعد إلّا ، فتقول : ما رأيت إلّا حمارا ، وما في الدار إلّا حمار . ويصح في الكلام : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ « 1 » . والقسم الثاني : من قسمي الاستثناء المنقطع هو أن لا يمكن تسلط العامل على ما بعد إلّا ، وهذا حكمه النصب عند العرب قاطبة ، ومن ذلك : ما زاد إلّا ما نقص ، وما نفع إلّا ما ضر . فما بعد إلّا لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نقص ، بل يقدّر المعنى : ما زاد ، لكن النقص حصل له ، وما نفع لكن الضرر حصل ، فاشترك هذا القسم مع الأوّل في تقدير إلّا بلكن ، لكن الأوّل يمكن تسليط ما قبله عليه ، وهذا لا يمكن . وإذا تقرر هذا فيكون قوله : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا استثناء منقطعا من هذا القسم الثاني ،

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 157 .